عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
481
اللباب في علوم الكتاب
والثاني : أنه نعت لمسلمين أي : مسلمين مستقرين لك أي مستسلمين . والأول أقوى معنى . فصل فيمن استدل بهذه الآية على القول بخلق الأعمال استدلوا بهذه الآية على خلق الأعمال بقوله : « رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ » ، فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد ، أو الاستسلام والانقياد ، وكيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة ، وجعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلّا خلق ذلك فيهما ، فإن [ الجعل ] « 1 » عبارة عن الخلق . قال اللّه تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] فدلّ هذا على أن الإسلام مخلوق للّه تعالى . فإن قيل : هذه الآية الكريمة متروكة الظاهر ؛ لأنها تقتضي أنهما وقت السّؤال [ كانا ] « 2 » غير مسلمين إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما مسلمين طلبا لتحصيل الحاصل ، وإنه باطل ، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين ؛ ولأن صدور هذا الدّعاء منهما لا يصلح إلّا بعد أن كانا مسلمين ، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسّك بها ، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر ، لكن لا نسلم أن الجعل عبارة عن الخلق والإيجاد بل له معان أخر سوى الخلق : أحدها : « جعل » بمعنى « صيّر » ، قال [ اللّه ] تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً [ الفرقان : 47 ] . وثانيها : « جعل » بمعنى « وهب » ، تقول : جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الغرس . وثالثها : [ جعل ] بمعنى الوصف للشيء والحكم به كقوله تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [ الزخرف : 19 ] . وقال وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [ الأنعام : 10 ] . ورابعها : « جعل » كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً [ السجدة : 24 ] يعني أمرناهم بالاقتداء بهم ، وقال : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [ البقرة : 124 ] فهو الأمر . وخامسها : أن يجعله بمعنى التعليم كقوله : جعلته كاتبا [ وشاعرا ] « 3 » إذا علمته ذلك .
--> ( 1 ) في ب : الجهل . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : كذلك بالتعليم ؛ كقولك : جعلته كاتبا وفقيها .